الثلاثاء، 27 يناير 2009
الشهوة والرغبة
بينما كنت أقلب القنوات على التلفاز وقعت عيناي على عرض أزياء، و بصراحة بدلا من أن أغض البصر و أغير القناة، تأملت و فكرت بهذه العروض، و سألت نفسي، لماذا تبدوا جميلة؟ و هل نراها جميلة لأننا نرغب بها أم العكس نرغب بها لأننا نراها جميلة؟ و هل الرغبة تابعة للجمال في المفهوم البشري أم أن الجمال تابع لما ترغب به النفس؟ فالشهوة الجنسية مثلا لو فكر فيها العاقل لإستقبحها و إتقذر موضعها، لكن الرجل الثائر جنسيا يراها جنة و يرى كل أنواع الجمال فيها (عافانا الله من مسخ الذوق و قذارته)، و أنا أقف وقفة مع الجميع هنا لأسأل، هل الرجل الثائر يرى موضع الشهوة جميل لأنه يرغب به أم أنه يرغب به لأنه جميل।الجواب البديهي هو أنه يراه جميل لأنه يرغب به و يشتهيه شهوة مادية حيوانية تخدر العقل و ترسل مادة Oxytocin إلى مركز الشهوة في الدماغ فتغزوه هذه المادة و تصيطر على جميع لأضاء بوسطته، هذا ما يسمى بالرغبة و الشهوة.فما هي الرغبة و هل في إشباعها تتحقق السعادة....و خلال هذه الرحلة الفكرية و قراءة بعض الكتب في هذا الشأن (الرغبة و الشهوة) إستطعت تجميع بعض النقاط الأساسية التي تفسر لنا الشهوة و الرغبة.- لا شك أن العطش و ما شاكله من الدوافع الملحة تعبير عن نقص بيولوجي يتعين إزالته و إشباعه من أجل إستعادة التوازن، هذا الدافع يمكن تسميته بالحاجة، و يتضح أن الحاجة ملحة و ضرورية و عدم إشباعها يهدد توازن الكائن الحي و وجوده.- الميول للذهب و الفضة و الثراء لا يحمل الطابع الغريزي للحاجات الملحة، بل هو ميل مكتسب تساهم الثقافة و المجتمعات في تنميته، و هذا النوع من النزوع هو الرغبة، لكن تتحول الرغبات أحيانا إلى حاجات ملحة و قد يضحي الشخص بنفسه من أجلها.- يبدأ إرتباط الجنين بثدي الأم بدوافع بيولوجية حية و كتعبير عن حاجة مادية، لكن سرعان ما تتحول هذه الحاجة إلى رغبة في الشعور بالحماية و الأمان و التخلص من الخوف و القلق الإضطهادي، لكن القلق الإضطهادي و الدوافع التدميرية خبرات نفسية لا شعورية لا يطالها وعي الراشد فكيف الجنين؟ و هذا دليل على أن الحاجات البيولوجية الجسدية تتعرض منذ البداية للإستثمار من قبل بعض الدوافع و الرغبات النفسية اللاواعية في الغالب.- النشاط الإبداعي هو إشباع بديل عن إشباع أصلي، أولي التعرض للحرمان و من ثم تمثل الرغبة المحبطة طاقة محركة للنشاط الإبداعي.- إذا كنا لا نسعد قبل أن نرغب، لأن السعادة و البهجة تتعاظمان كلما إزدادت الرغبة فيهما، و حيث أن الرغبة تعبير عن نقص و عيب، فهل يعني ذلك أنه علينا أن نشقى أولا كي نسعد؟ و إذا كان عدم إشباع الرغبة يولد طاقة عدوانية و شقاء و إحباط، يولد نقيض السعادة، فهل لنا أن نختار حياة بدون رغبات ملحة، حياة لا يعكر صفوها إحاح الرغبات؟- تتولد الرغبة الشديدة في شيئ عند تصور البهجة و اللذة التي سنحصل عليها فور حصولنا على موضوع الرغبة، فالتفسير العقلاني للرغبة يرجع منشأها إلى عملية فكرية تصورية.- أقوى أنواع البهجة هو الإبتهاج الذي يأتي من الكمالات التي نتصور أنها موجودة في شخص محبوب بوصفه ذاتنا الأخرى، و التصور الأفلاطوني يقول أن كل نفس قد إنشطرت نصفين فغدا كل نصف متشوقا للأخر يرى نفسه فيه.- الضروري في الحياة هو ما يهلك الإنسان دونه، و الضروري للسعادة يختزل إلى ما يجنبنا الألام و الإضطرابات، و في هذه الحالة تسكن النفس و لا تبحث عن شيئ أخر للحصول على خير أكمل، و تكمن السعادة في غياب الحاجات الملحة أو في إشباعها، و في غياب الإضطراب و القلق.- هل الرغبة تابعة للتصور صادرة عن الوعي و الإرادة أم العكس؟ هل ترغب في شيئ ما لأنك تراه جميلا أم أنك تراه جميلا لأنك ترغب فيه؟ الرغبة هي التي تخلق التصور لا العكس، و الإنسان كائن راغب و ضعيف.- إن الناس يعون رغباتهم و غرائزهم، إلا أنهم يجهلون العلل التي تجعلهم يرغبون في شيئ معين، فتصور مزايا البيت و الحياة المنزلية كان دافعا و غاية يرتجيها مشيد المنزل، لكنها ليست مصدر هذا الفعل و سببه الحقيقي، و إنما هي تبرير و غطاء جزئي لدافع حقيقي يجهله البشر، و العلل التي يقدمها البشر هي علل جزئية لرغباتهم، و هي علة لكنها ليست العلة الأولى بل مجرد علة جزئية، بمعنى أنها مسبوقة بعلل أخرى حتمت وجودها، فلماذا يرغب الإنسان في حياة منزلية و هل كل من رغب فيها شيد منزلا و لماذا الأن و ليس قبل...؟ فمثلا إذا تلقى حجر دفعة من جسم أخر فإنه سوف يستمر بالحركة لمدة معينة، و من المحتمل أثناء ذلك أن يتخيل الحجر أنه هو نفسه علة حركته و إندفاعه، و أن العلة هي الوصول إلى مكان معين و إتمام هذه الحركة، لكن الواقع أن هذه الرغبة أو الميول أو الإندفاع كان من جسم أخر و مسبق بقانون أخر.- الرغبة هي الإعتراف بوجود الموضوع خارج الذات و خارج عن متناولها، إنها خروج الذات من تطابقها مع ذاتها، و إشباع الرغبة يقتضي إلغاء موضوع الرغبة و تدمير الموضوع المرغوب أي إلغاء وجوده المستقل عن الذات، و هو إلحاق موضوع الرغب بالذات و تأكيد كينونة الذات و إلغاء أي وجود لها خارج متناولها المستقل عن العالم الخارجي.أرجوا أن يكون هذا الموضوع المكان المناسب للكلام عن الرغبة و الشهوة و ماهيتها و لماذا تأتي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق